ابن عبد البر
144
الدرر في اختصار المغازي والسير
كلّمه جعفر بن أبي طالب ، فقال : أيها الملك كنّا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء إلى الجار « 1 » ويأكل القوى منا الضعيف . كنّا على ذلك حتى بعث اللّه عزّ وجلّ إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعا [ نا ] « 2 » إلى اللّه لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان . وأمرنا بصدق / الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد اللّه « 3 » لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت : فعدّد [ عليه « 4 » ] أمور الإسلام ، وقال : فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به عن اللّه عز وجل ، فعبدنا اللّه وحده ولم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا ، وأحللنا ما حلّل لنا . فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان [ من عبادة اللّه ] وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك وآثرناك على من سواك ، ورغبنا « 5 » في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت : فقال : هل معك مما جاء به عن اللّه شيء ؟ قال جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأه علىّ . فقرأ عليه : ( كهيعص ) . قالت : فبكى النجاشي حتى واللّه اخضلّت « 6 » لحيته ، وبكت أساقفته حتى اخضلت لحاهم « 7 » حين سمعوا ما يتلى « 8 » عليهم . فقال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى « 9 » ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فو اللّه لا أسلمهم إليكما أبدا . قالت : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : واللّه لآتينّه غدا بما أستأصل به خضراءهم .
--> ( 1 ) في ابن هشام وغيره : ونسيء الجوار ( 2 ) زيادة من ابن هشام وغيره . ( 3 ) في ابن هشام : ولا . ( 4 ) زيادة من ابن هشام . ( 5 ) في الأصل : فرغبنا . ( 6 ) في الأصل : اخضل . ( 7 ) في ابن هشام وغيره : مصاحفهم . ( 8 ) في ابن هشام : تلا . ( 9 ) في النويري : عيسى .